النويري

69

نهاية الأرب في فنون الأدب

قال الثعلبىّ ورفعه إلى وهب بن منبّه قال : إن داود - عليه السلام - لما تاب اللَّه تعالى عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة لا ترقا له دمعة ليلا ولا نهارا ، وكان أصاب الخطيئة وهو ابن سبعين سنة ، فقسم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام ، فجعل يوما للقضاء بين بني إسرائيل ، ويوما لنسائه ، ويوما يسيح في الفيافي والجبال والساحل ، ويوما يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب ؛ فيجتمع إليه الرّهبان ، فينوح معهم على نفسه ، ويساعدونه على ذلك . فإذا كان يوم سياحته يخرج في الفيافي ، فيرفع صوته بالمزامير ، فيبكى وتبكى معه الشجر والرمال والطير والوحوش حتى يسيل من دموعهم مثل الأنهار ؛ ثم يجئ إلى الساحل فيبكى وتبكى معه الحيتان ودوّاب البحر والسباع وطير الماء ، فإذا أمسى رجع ، فإذا كان يوم نوحه نادى مناد : إن اليوم نوح داود على نفسه فليحضر من يساعده . قال : فيدخل الدار التي فيها المحاريب ، فتبسط له فرش من مسوح حشوها ليف فيجلس عليها ، ويجىء الرّهبان وهم أربعة آلاف ، عليهم البرانس وفى أيديهم العصىّ ، فيجلسون في تلك المحاريب ثم يرفع داود صوته بالنّوح والبكاء ، ويرفع الرهبان معه أصواتهم ، فلا يزال يبكى حتى تغرق الفرش من دموعه ، ويقع داود مثل الفرخ يضطرب ، فيجىء ابنه سليمان فيحمله ، فيأخذ داود من تلك الدموع بكفيّه ، ثم يمسح بها وجهه ويقول : يا رب اغفر ما ترى . قال : فلو عدل بكاء داود ببكاء أهل الدنيا لعدله . وقال ثابت : ما شرب داود شرابا بعد المغفرة إلَّا ونصفه ممزوج بدموع عينيه . وعن الأوزاعىّ قال : بلغنا أن رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلَّم - قال : « خدت الدموع في وجه داود - عليه السلام - خديد الماء في الأرض » .